السيد كمال الحيدري
365
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الإمكان وتدبيره إنّما يرتبط باسم من أسمائه ويكون تحت قيمومية ذلك الاسم . يقول الطباطبائي مدلّلًا على هذا المعنى : « من هنا يظهر أنّ جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة ، أىّ أنّ الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته . فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب ، تفيض عنه سبحانه بما أنّه عالم قادر رازق منعم بالترتيب . وجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلّتنا بعزّته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته » « 1 » . على أنّ هذا المعنى الذي يفيد أنّ كلّ فعل يصدر في هذا العالم إنّما يكون بتوسّط اسم من أسماء الله سبحانه إنّما يدلّ عليه الذوق العبودي السليم والفطرة الصافية . فإذا ما رام الإنسان الغنى من ربّه ، لا يقول : يا مميت يا مذلّ أغننى ، إنّما يسأل الله ويدعوه بأسمائه : الغنى والعزيز والقادر مثلًا ، والمريض الذي يتّجه إليه لشفاء مرضه ، يقول : يا شافى يا معافى يا رؤوف يا رحيم ارحمني واشفنى ، ولا يقول : يا مميت يا منتقم يا ذا البطش اشفنى ، لأنّ الإنسان يدرك بفطرته أنّه إذا ما رام الشفاء من ربّه فإنّ الشفاء لا يصدر إلّا من اسمه الشافي ، وإذا أراد الرزق فإنّ الرزق لا يصدر إلّا من اسمه الرزّاق ، وإذا أراد العلم فإنّ العلم لا يصدر إلّا من اسمه العالم ، هكذا إلى بقيّة ما يصدر من أفعال في عالم الإمكان . على أنّ الأمر يبدو طبيعيّاً جدّاً يلمسه الإنسان في شؤون معاشه وممارسته اليوميّة وتجربته في الحياة . فحينما يتّجه المريض إلى رجل متخصّص بالطب والهندسة فإنّه يرجع إليه في وجه حاجته إليه ، وهى الشفاء ، طالباً منه أن يوظّف حيثيته التي ترتبط بالشفاء لا تلك الحيثيّة التي ترتبط بالبُعد الهندسى واختصاصه
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 8 ، ص 353 .